الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

111

تفسير روح البيان

الأمة فوصل إلى عناية اللّه بلمحة فمن بورك له في عمره أدرك في يسير من الزمان ما لا يدخل تحت العبارة فالخذلان كل الخذلان ان تتفرع من الشواغل ثم لا تتوجه اليه بصدق النية حتى يفتح عليك بما لا تصل الهمم اليه وان تقل عوائقك ثم لا ترحل اليه عن عوالم نفسك والاستئناس بيومك وامسك فقد جاء خصلتان مغبون فيهما كثير من الناس الصحة والفراع ومعناه ان الصحيح ينبغي ان يكون مشغولا بدين أو دنيا فهو مغبون فيهما أَ فَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً الهمزة للاستفهام الإنكاري والفاء للعطف على مقدر . والحسبان بالكسر الظن وعبثا حال من نون العظمة بمعنى عابثين وهو ما ليس لفاعله غرض صحيح أو ارتكاب امر غير معلوم الفائدة . والمعنى أغفلتم وظننتم من فرط غفلتكم انا خلقناكم بغير حكمة وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ عطف على انما خلقناكم اى وحسبتم عدم رجوعكم إلينا يعنى ان المصلحة من خلقكم الأمر بالعمل ثم البعث للجزاء ومعنى الرجوع إلى اللّه الرجوع إلى حيث لا مالك ولا حاكم سواه قال الترمذي ان اللّه خلق الخلق ليعبدوه فيثيبهم على العبادة ويعاقبهم على تركها فان عبدوه فإنهم عبيد أحرار كرام من رق الدنيا ملوك في دار السلام وان رفضوا العبودية فهم اليوم عبيد إباق سقاط لئام وغدا أعداء في السجون بين أطباق النيران وفي التأويلات النجمية ( أَ فَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً ) بلا معنى ينفعكم أو يضركم حتى عشتم كما يعيش البهائم فما تقربتم إلينا بالأعمال الصالحات للتقرب وحسبتم ( أَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ ) باللطف والقهر فالرجوع باللطف بان يموت بالموت الاختياري قبل الموت الاضطراري وهو بان ترجعوا من أسفل سافلين الطبيعة على قدمي الشريعة والطريقة إلى أعلى عليين عالم الحقيقة والرجوع بالقهر بان ترجعوا بعد الموت الاضطراري فتقادون إلى النار بسلاسل تعلقاتكم بشهوات الدنيا وزينتها وأغلال صفاتكم الذميمة وعن بهلول قال كنت يوما في بعض شوارع البصرة فإذا بصبيان يلعبون بالجوز واللوز وإذا أنا بصبي ينظر إليهم ويبكى فقلت هذا صبي يتحسر على ما في أيدي الصبيان ولا شئ معه فيلعب به فقلت اى بنى ما يبكيك اشترى لك من الجوز واللوز ما تلعب به مع الصبيان فرفع بصره الىّ وقال يا قليل العقل ما للعب خلقنا فقلت اى بنى فلما ذا خلقنا فقال للعلم والعبادة فقلت من اين لك ذلك بارك اللّه فيك قال من قول اللّه تعالى ( أَ فَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ ) قلت له اى بنى أراك حكيما فعظنى وأوجز فأنشأ يقول أرى الدنيا تجهز بانطلاق * مشمرة على قدم وساق فلا الدنيا بباقية لحى * ولا حي على الدنيا بباق كأن الموت والحدثان فيها * إلى نفس الفتى فرسا سباق فيا مغرور بالدنيا رويدا * ومنها خذ لنفسك بالوثاق ثم رمق السماء بعينيه وأشار إليها بكفيه ودموعه تنحدر على خديه وهو يقول يا من اليه المبتهل * يا من عليه المتكل يا من إذا ما آمل * يرجوه لم يخط الأمل قال فلما أتم كلامه خر مغشيا عليه فرفعت رأسه إلى حجري ونفضت التراب عن وجهه بكمى فلما أفاق قلت له اى بنى ما نزل بك وأنت صبي صغير لم يكتب عليك ذنب قال إليك عنى